السيد محمد الصدر
58
منة المنان في الدفاع عن القرآن
يتّحدان ؛ لأنَّهما نكرتان . وعندما نطبق هذه القاعدة على الآيتين نجد أنَّهما ذكرتا العسر معرّفاً ، وأمّا اليسر فجاء نكرةً كما هو واضح : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . فالعسر الثاني هو عيّن الأوّل ؛ لأنَّه معرفةٌ ، وأمّا اليسر الثاني فهو يسرٌ آخر غير الأول ؛ لأنَّه نكرةٌ « 1 » . وقد يُقال : إنَّ ما ذُكر من الناحية العمليّة وجيهٌ ، يعني : لو نظرنا إلى حسن الظنّ بالله تعالى وبعين البصيرة ، لكان ما أُفيد في محلّه ، فإذا كان هناك شخصٌ يؤلمه رأسه ، إلّا أنَّ سائر أعضاء جسده سليمةٌ ، فنفهم أنَّ مع العسر الواحد أيسارٌ متعدّدةٌ وكثيرةٌ ، وإذا نظرنا إلى حياة كلّ شخصٍ للوحظ أنَّ نسبة اليسر إلى العسر ذات فارقٍ واضح ؛ والحمد لله . هذا من جهةٍ عمليّةٍ . وأمّا الدليل الذي ذكر على تعدّد اليسر فليس بتامّ ؛ لأنَّ الألف واللام في المقام عهديّةً ، وهي إشارةٌ إلى الشيء المذكور في الكلام السابق بنفسه ، كما في قولنا : ( إذا اكتسبت الدرهم فأنفق الدرهم ) ، وليس الاتّحاد هنا بين الأوّل والثاني لمكان أنَّهما معرفةٌ ، ولا لأنَّ المعرفة إذا تعدّدت كانت واحدةً ، بل لا توجد قاعدةٌ من هذا القبيل ، بل الوحدة والاتّحاد يستفاد من العهديّة في الألف واللام . نعم ، كان عليهم أن يقولوا شيئاً آخر ، وهو أنَّ الجنس يُراد منه مطلق الوجود ، أي : إنَّ مع العسر ، أي : مطلق العسر وكلّ عسر ؛ إذ إنَّ مطلق الوجود لا يتعدّد ، والجنس بمعنى الطبيعة الكلّيّة لا يتعدّد ، فلا يوجد عسران كلّيّان ، وحتّى لو قلنا العسر مائة مرّة كان واحداً ، فيرجع الإشكال في تعدّد العسر ؛ لأنَّه تكرارٌ للمعنى الأوّل .
--> ( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 316 : 20 ، تفسير سورة ألم نشرح .